ابن كثير
438
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فقال له « ما هي ؟ » قال : تصوم وتصلي ، وتحسن الوضوء ، وتشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأنك رسول اللّه ، فقال « يا أبا عبد اللّه هذه مؤمنة » . فقال : والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها ، ففعل ، فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا : نكح أمته وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين ، وينكحوهم رغبة في أحسابهم ، فأنزل اللّه وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ . . . وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ . وقال عبد بن حميد : حدثنا جعفر بن زياد الإفريقي عن عبد اللّه بن يزيد ، عن عبد اللّه بن عمرو ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال « لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا تنكحوهن عن أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ، وأنكحوهن على الدين ، فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل » والإفريقي ضعيف ، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال « تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها ، فاظفر بذات الدين ، تربت يداك » ولمسلم عن جابر مثله ، وله عن ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال « الدنيا متاع ، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة » . وقوله وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا أي لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات ، كما قال تعالى : لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ ، وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [ الممتحنة : 10 ] ثم قال تعالى : وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أي ولرجل مؤمن - ولو كان عبدا حبشيا - خير من مشرك ، وإن كان رئيسا سريا أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ أي معاشرتهم ومخالطتهم ، تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة ، وعاقبة ذلك وخيمة وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ أي بشرعه وما أمر به وما نهى عنه وَيُبَيِّنُ اللّه آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 222 إلى 223 ] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( 222 ) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 223 ) قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت ، عن أنس ، أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم لم يواكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأنزل اللّه عز وجل وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ حتى فرغ من الآية ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « اصنعوا كل شيء إلا النكاح » فبلغ ذلك اليهود فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا ، إلا خالفنا فيه ،
--> ( 1 ) مسند أحمد ( ج 3 ص 132 - 133 )